أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
324
شرح مقامات الحريري
وهو كثير ، وإنما اخترع إبراهيم لفظ الذباب . وعرّض - أي بعض الأدباء - على صاحب له بمحضر جماعة شعرا ، فجعل يعرض عن محاسن الشعر ويتتبع مواضع النقد حسدا ، فقال له صاحب الشعر : أراك كالذباب تعرض عن المواضع السليمة وتتبع قروح الجسد . وقال ابن الروميّ : [ المجتث ] تأمّل العيب عيب * ما بالذي قلت ريب والشّعر كالشّعر فيه * مع الشّيبة شيب فليصفح الناس عنه * فطعنهم فيه عيب ومنكيات الذباب لابن آدم كثيرة ، منها نزوله على الوجه عند النوم ، فيلقى منه بلاء ، أو في الصلاة فيصير أضرّ من إبليس للتشاغل ، وأما إذا تساقط في الطعام فتنغيصه وتنفيره للطباع أضرار لا تخفى ، وقد قدّمت آنفا في ذلك من الشعر شيئا ، ولذلك تضرب العرب المثل فتقول : أجرأ من ذباب ، لأنه ينزل على الأسد والأمير . ونذكر هنا ما هو أشدّ أذاية منه وهو البعوض ، ولولا أنّ أيامه قلائل لأخلى البلاد ، قال ابن رشيق يتشكّاه : [ الكامل ] يا ربّ لا أقوى على دفع الأذى * وبك استعنت على الضعيف الموذي ما لي بعثت إليّ ألف بعوضة * وبعثت واحدة إلى نمروذ ! وقال ابن شرف : [ الكامل ] لك منزل كملت بشارته لنا * للّهو لكن تحت ذاك حديث غنّى الذباب وظلّ يزمر حوله * فيه البعوض ويرقص البرغوث وقال آخر : [ مخلع البسيط ] ليل البراغيث والبعوض * ليل طويل بلا غموض فذاك ينزو بغير رقص * وذا يغنّي بلا عروض وقوله : ويرضي من الغنيمة بالإياب ، منقول من قول امرئ القيس ، وقد طوّفت . . . « 1 » البيت . وهو مشهور . يوردنّ : يدخلنّ . وريده : صفحة عنقه ، والوريدان :
--> ( 1 ) يروى البيت بتمامه : وقد طوّفت بالآفاق حتى * رضيت من السلامة بالإياب والبيت من الوافر ، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص 43 ، ولسان العرب ( نقب ) ، وجمهرة الأمثال 1 / 484 ، والعقد الفريد 2 / 126 ، والفاخر ص 260 ، وكتاب الأمثال ص 249 ، والمستقصى 2 / 100 ، ومجمع الأمثال 1 / 295 ، وتهذيب اللغة 9 / 197 ، وتاج العروس ( نقب ) ، ويروى « وقد نقّبت » ، بدل « وقد طوّفت » .